ثقافة وفن

“أفلامه ثورة ضد الظلم”…من هو المخرج سليمان سيسيه الذي حظي بجائزة “العربة الذهبية”؟

نشرت في:

موفد فرانس24 إلى مهرجان كان – يجر وراءه تجربة سينمائية أفريقية غنية ومتنوعة ذات جودة عالية، بشهادة النقاد. إنه المخرج المالي سليمان سيسيه، الذي يعتبر “أفلامه ثورة ضد الظلم”، والمتوج الأربعاء بـ”العربة الذهبية”، اعترافا بمساره الكبير في الفن السابع أفريقيا. وكان سيسيه حصل على جائزة لجنة التحكيم لمهرجان كان عن فيلمه “النور” في 1987، وواوصل بذلك شد انتباه عشاق الشاشة الكبرى عبر أعماله المتميزة والمنخرطة في هموم الشعب المالي والأفريقي عامة، بينها “الفتاة الصغيرة” الذي عرض أمام جمهور “نصف شهر المخرجين” بمناسبة تكريمه.

“كل أفلامي تحمل ثورة ضد الظلم”. هكذا يلخص المخرج المالي المعروف سليمان سيسيه، 82 عاما، مسيرته السينمائية المثيرة والغنية، الممتدة لأكثر من خمسين عاما، كمقاومة فنية منه للحيف والظلم، صنع منها خيطا رفيعا، يربط بين مجموع أعماله.

وقال أمام جمهور “نصف شهر المخرجين” في مهرجان كان، الذي حضر لمشاهدة فيلمه المتميز “الفتاة الصغيرة”، وهو عمل فريد أخرجه في 1975 وقدم في عرض استثنائي قبل الحديث عن تجربته وتكريمه، “أمقت الظلم، وحيثما وجد يجب الانتفاض ضده”. وتعرض في إطار برنامج هذه الفئة أفلام وقع عليها الاختيار، لـ”خطابها الاستثنائي، الذي “يجسد روح المقاومة لكل أشكال الإيديولوجيا والخطاب المهيمن”، وفق الجهة المنظمة.

واختيار نقابة المخرجين الفرنسيين، التي تشرف على تنظيم “نصف شهر المخرجين”، لسيسيه لمنحه “العربة الذهبية”، له ما يبرره فعلا، بحكم أنه قامة سينمائية، ينظر لها عادة كأيقونة الفن السابع في أفريقيا، استطاعت أن تصنع لها اسما على المستوى العالمي في ظروف ليست بالسهلة.

كما يأتي ضمن أسباب هذا الاختيار، أسلوبه الفريد الذي يدرس في مجموعة من معاهد السينما لمخرج متمرس، يملك فعليا أدوات الإبداع السينمائي على كل المستويات، ما يصبغ على أعماله روح خاصة، لا نراها إلا في أعمال كبار المخرجين. فهو يعتمد فيها عادة، “المزج بين الشعر والسياسة والنقد الاجتماعي والأساطير…”.

وولد سليمان سيسيه في باماكو بمالي قبل أن ينتقل برفقة أسرته إلى داكار، التي ترعرع فيها، وهناك بعض وسائل إعلام تعتبره خطأ سينغاليا. وعاد إلى مالي في 1960. عشقه للسينما تولد في داكار قبل أن ينتقل في 1963 إلى موسكو لدراسة السينما على يد أحد كبار المخرجين السوفيات وقتها مارك دونسكوي.

ذاع صيته خاصة بين 1975 و1987 بفضل أربعة أفلام توجت بفيلم “يلين” “النور” الفائز بجائزة التحكيم في مهرجان كان السنة نفسها. وهو ثاني مخرج أفريقي يحصد جائزة “العربة الذهبية” بعد السنغالي سامبين عثمان في 2005، الذي خصص له وثائقيا بعنوان “أو عثمان”، إذ يعد الأخير أحد رواد السينما الأفريقية أيضا، ويعتبر هذا العمل ذاكرة حقيقية ورمزية لأحد الأسماء المهمة في إشعاع سينما القارة عبر العالم.

“الفتاة الصغيرة”

وفي إطار تكريم سيسيه، اختير فيلمه “الفتاة الصغيرة” للعرض أمام جمهور “نصف شهر المخرجين” رغم قدمه، حيث يعود تاريخ إخراجه إلى أكثر من أربعين عاما. لكن كل هذه السنوات التي مرت عليه، لم يفقده أي شيء من قيمته السينمائية ولا حتى التيمية أو الموضوعاتية.

ويعالج الفيلم حمل الفتيات غير المتزوجات ومعاناتهن وسط أسرهن. ويروي القصة في قالب درامي، مصاحب بالصور الشعرية والمقاطع الموسيقية والغنائية المستقاة من التراث المحلي. وفكرة الفيلم تولدت من داخل عائلته، حيث وقعت ابنة أخيه في هذا الوضع المأساوي بالنسبة لأي فتاة بالقارة السمراء.

المخرج المالي سليمان سيسي أثناء مناقشة تجربة السينمائية أمام جمهور "نصف شهر المخرجين" في مهرجان كان
المخرج المالي سليمان سيسي أثناء مناقشة تجربة السينمائية أمام جمهور “نصف شهر المخرجين” في مهرجان كان © بنجمان دودمان فرانس24

والصعوبات الأولى التي واجهها المخرج هو إيجاد ممثلين قادرين على تبني فكرة الفيلم، وتقمص الأدوار المطلوبة بشأنه على الشاشة الكبرى. فاستغرق البحث ثلاثة أشهر لإيجاد ممثلة تقوم بهذا الدور. وللحصول على ترخيص لتصويره، كان عليه أن يمر من جمعية حكومية، وعند إخراجه زعمت ذات الجمعية أنها تولت إنتاجه، وهو ما ينفيه سيسيه إطلاقا، مؤكدا أنها لم تدفع ولو سنتيما واحدا في الفيلم.

وعلى خلفية هذا النزاع، وضع رهن الاعتقال لمدة عام قبل أن يفرج عنه بقرار من رئيس البلاد وقتها موسى تراوري. فنال الفيلم شعبية كبيرة بعد أن كان ممنوعا لثلاث سنوات.

قصة الفيلم

يحكي العمل قصة فتاة من عائلة مالية ثرية، قادتها ظروف إلى التعرف على شاب من أسرة فقيرة، كان يعمل في مصنع والدها بوقت سابق. وفي خضمها ستتعرض الفتاة “تينان” إلى الاغتصاب قبل أن تصير فريسة بين يدي مغتصبها. وتحمل منه.

هذا الحمل قلب أسرتها رأسا على عقب. انفجرت أمها غضبا في وجهها قبل أن تنقل الخبر إلى زوجها، الذي قرر أن يتخلص من هذا “العار” الذي ألحقته ابنته بأسرته. وحاول القيام بكل شيء لأجل ذلك، مستعينا بأفراد أسرته، لكن لم يجد دائما الدعم منهم، ورفض البعض مخططاته.

توفي الأب حسرة على هذا الوضع. وبقيت الأم في صراع مع المغتصب أمام السلطات للاعتراف على الأقل بأبويته للجنين الموجود في بطن ابنتها. لكنه ظل يرفض، ولم يغير رأيه إلا بضغط من السلطات. افترست الأحزان دواخل “الفتاة الصغيرة تينان”، التي فضل المخرج تقديمها صامتة، لم تنبس ببنت شفة خلال كل الفيلم.

وبشاعريته السينمائية، قدم المخرج معاناة هذه الفتاة في صور عديدة رغم غياب الكلمات. بالإمكان أن تقرأ أشياء كثيرة على نظراتها وحركاتها. فبعد أن كانت تمرح كطفلة صغيرة في رحاب بيت والديها الكبير وخارجه مع صديقاتها، تحولت إلى قنبلة على أبواب الانفجار في أي لحظة، يتطاير لهب الغضب من نظراتها.

وهذا ما حصل فعلا. توجهت إلى بيت مغتصبها الذي كان على سريره في بيت قصبي مع فتاة أخرى، فاقتحمته وبصقت عليهما، فقام وأخرجها بعنف. ولم تجد أمامها إلا الانتقام منه بإضرام النار في فعل إجرامي، لم تكن يوما قادرا على القيام به، ينهي حياة من كان بداخل الكوخ، قبل أن تضع حدا لحياتها متناولة علبة من الأدوية.

 

موفد فرانس24 إلى مهرجان كان بوعلام غبشي
موفد فرانس24 إلى مهرجان كان بوعلام غبشي © فرانس24

 

تمثيل السينما الأفريقية

يمثل السينما الأفريقية في هذه المسابقة الرسمية للمهرجان مخرجتان، يعتبرهما مدير المهرجان تيري فريمو رأس حربة “الجيل الجديد من صناع السينما في القارة”. ويتعلق الأمر بكل من التونسية كوثر بن هنية التي تشارك في المسابقة الرسمية بـ”بنات ألفة”، ويحكي معاناة أم مع بناتها اللواتي انجذبن نحو التطرف. ثم السنغالية راماتا تولاي سي بفيلمها العاطفي “بنيل وأدما”.

وهذا التواجد للسينما الأفريقية في السباق الرسمي للعرس السينمائي الدولي، يفسر بأنه اعتراف بالجهود التي تقدمها لتطوير نفسها ومنافسة نظيراتها في المناسبات الكبرى، رغم قلة الإمكانيات، علما أنها لم تفز إلا بسعفة ذهبية واحدة في 1975 بفضل فيلم “وقائع سنين الجمر” للمخرج الجزائري محمد لخضر حمينة.

إضافة إلى المشاركة في المسابقة الرسمية، القارة ممثلة أيضا في المسابقات الموازية عبر عدد من الدول المغاربية: كالمغرب، السودان، الكاميرون، الجزائر، مصر، وتونس.

ورغم هذه التجربة الغنية والطويلة في السينما، لاتزال تحذو المخرج المالي ثمة طموحات بأن يرى يوما السينما الأفريقية في وضع أفضل. “تخرج من القارورة وتسافر بعيدا إلى أماكن، لا يخطر فيها على بال الناس مشاهدة أفلام من قارتنا”.

ويندد سيسيه بما يسميه “الاحتقار” المتواصل والتردد في توزيع الأفلام الأفريقية في الغرب. ونتيجة لهذا الواقع، “لا نتواجد معا بعد على قدم المساواة. وهذا خطأ، لأن السينما هي وسيلة تحملنا إلى الآخرين”.

 

 

بوعلام غبشي موفد فرانس24 إلى كان


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock