أخبار العالم

بين “نصر إيديولوجي” وآخر “مقزز”… تصدع حكومي جراء تبني البرلمان الفرنسي قانون الهجرة


تبنى البرلمان الفرنسي، الثلاثاء، وبشكل نهائي، قانون الهجرة مع غالبية 349 صوتا مقابل معارضة 186 صوتا. وهنأ وزير الداخلية جيرالد دارمانان اعتماد نص “قوي ومحكم”، فيما باركت كذلك رئيسة الوزراء إليزابيت بورن “تماسك الأغلبية”. لكن تمرير هذا القانون فتح باب أزمة وأحدث تصدعات عميقة ضمن الأغلبية البرلمانية والحكومة، حيث قدم وزير الصحة أوريليان روسو استقالته في حين لوح وزراء آخرون بترك مناصبهم.

نشرت في:

7 دقائق

اعتمد البرلمان الفرنسي نص قانون الهجرة بعد جدال طويل استمر 18 شهرا، ما يمثل انتصارا برلمانيا لحقبة إيمانويل ماكرون الرئاسية، لكن في الوقت نفسه يتسبب بشرخ عميق داخل الأغلبية البرلمانية والحكومة، حيث أن 59 نائبا امتنعوا عن التصويت أو صوتوا ضد المشروع.

وقد شُكلت لجنة برلمانية مشتركة بعد رفض تمرير المشروع في مجلس الشيوخ قبل بضعة أيام إثر ما اعتُبر تغيرا في النص بين صياغته الأولى وتلك التي تم التصويت عليها. وخاضت هذه اللجنة جدالات ومفاوضات مضنية من أجل اعتماد صيغة نهائية قبل أن تصوت الجمعية العامة على اعتماد قانون الهجرة منهية بذلك هذه المرحلة الطويلة من الخلاف بشأنه.

وكان وزير الداخلية جيرالد دارمانان قد دافع في البرلمان عن نص صيغ “من أجل حماية الفرنسيين” و”تسوية أوضاع العاملين عديمي الأوراق”، و”من أجل تبسيط حقنا”. وكتب دارمانان على منصة إكس مهنئا تبني نص “قوي ومحكم” وفاخر أمام الصحافيين بعد اعتماده أن ذلك تم بدون الحاجة إلى أصوات نواب اليمين المتطرف من حزب “التجمع الوطني” الذي تقوده مارين لوبان.

دارمانان بشأن تبني قانون الهجرة


كما اعتبرت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن أن “الأغلبية كانت متماسكة” لدعم النص وأن “مناورات التجمع الوطني فشلت”، متجاهلة معارضة 59 نائبا من هذه الأغلبية، وذلك قبل أن تدلي باعتراف هام في معرض حديثها مع راديو “فرانس أنتر” صباح الأربعاء بأن هناك إجراءات في النص تنافي الدستور.

“نصر إيديولوجي”

هنأ إيريك سيوتي رئيس حزب “الجمهوريون” بإنجاز “نصر تاريخي لليمين”. في حين أن نائبة من حزب “النهضة” الذي ينتمي إليه الرئيس إيمانويل ماكرون اعتبرت أن حزب مارين لوبان اليميني المتطرف “ربح كل شيء بالمطلق”. وقالت لوبان إن التصويت لصالح المشروع يعد “انتصارا إيديولوجيا” لحزبها.

وأشار نواب المعارضة مرارا إلى أهمية قدرة أصوات اليمين المتطرف على الحسم، وخصوصا أوليفييه فور الأمين العام للحزب الاشتراكي. فبشأن ما قاله وزير الداخلية دارمانان حول الفوز بدون الحاجة لأصوات اليمين المتطرف، يشير حساب الأصوات إلى غير ذلك، فقد حصل النص على تأييد 349 نائبا مقابل معارضة 186 آخرين من إجمالي 573. وفي تفاصيل هذه الأصوات، 189 نائبا من مجمل 251 من الأغلبية الموالية للحكومة صوتوا بالموافقة وكذلك ثمانية من أصل 21 من مجموعة “ليوت” البرلمانية المسجلة كمعارضة، و62 نائبا من “الجمهوريون”، ونائبان اثنان غير مسجلين، إضافة إلى 88 صوتا من “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.

صحيح أن النص كان قد يمر في حال امتناع حزب مارين لوبان عن التصويت لكن ليس في حال التصويت ضده، خصوصا وأن الحزب تراجع عن التزامه التصويت الثلاثاء. وفي الحسبة الأساسية بدون “التجمع الوطني”، أصوات الأغلبية عددها 268 من أصل 535 المعلنة، وهذا يقابله 274 صوتا معارضا.

“نصر مقزز”

واستنكر جان لوك ميلنشون زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي على الفور “نصرا مقززا” حققته أصوات اليمين المتطرف على حد قوله. وكتب في منصة إكس أن “محورا سياسيا جديدا شق طريقه” في البلاد. ودعا حزبه وائتلاف اليسار المكون من اليساريين التقليديين وأنصار البيئة “NUPES” إلى اجتماع طارئ في مواجهة “محور ماكرون-لوبان”.

“فرنسا الأبية” يدعو لاجتماع طارئ


وفي مؤشر على الشرخ حتى ضمن الأغلبية، فقد صوت رئيس لجنة القوانين ساشا هويله ضد مشروع القانون، كما امتنع جان بول ماتي رئيس مجموعة “MoDem” البرلمانية الممثلة للحزب الديمقراطي الوسطي عن التصويت.

واحتجاجا على مصادقة القانون الجديد، قدم وزير الصحة أوريليان روسو الأربعاء استقالته. كما لوح وزراء آخرون معارضون للنص كوزير النقل كليمان بون ووزير السكن باتريس فيرغريت ووزيرة التعليم العالي سيلفي ريتايو بالاستقالة. وعلى وقع هذا الجو المشحون، دعي أعضاء الحكومة لمجلس الوزراء في الإليزيه صباح الأربعاء.

“أول أزمة حقيقية” داخل “الماكرونية”

ويرى برونو كوتريس الباحث في مركز دراسات الحياة السياسية الفرنسية “Cevipof” بمعرض تصريحه لـ “فرانس أنتر” في خطوة تمرير مشروع قانون الهجرة أنها تمثل “أول أزمة حقيقية داخل هذه الحركة السياسية” بالإشارة إلى ماكرون وحزبه وما يطلق عليه اسم “الماكرونية”. ويضيف “لأنه حتى اللحظة لم يحدث شيئا مشابها، ففي السابق، كان مناصروها موحدين حول دعم رئيس الدولة”.

ومن الناحية العملية لتأثيرات تبني هذا القانون، أعربت منظمات حقوقية وإنسانية عن قلقها بشأنه لأنها ترى فيه تقويضا لحق اللجوء ولإجراءات الحياة الأسرية وحقوق أخرى للأجانب مرتبطة بالقضاء والحريات.

ويعرض علاء قويدر المساعد الاجتماعي العامل في مركز استقبال طارئ لطالبي اللجوء في إقليم دو-سيفر (وسط غرب فرنسا) لفرانس24 التعقيدات التي يتسبب بها القانون الجديد، متحدثا عن نقاط رئيسية تمس صلب عمله: الأولى مرتبطة بالمحكمة الوطنية لحق اللجوء “CNDA”، حيث يقوض القانون أحد إجراءاتها الرئيسية وهو اعتماد قاض وحيد في حسم الحصول على حق اللجوء وكان في السابق يتم الاعتماد على ثلاثة قضاة باختصاصات مختلفة، و”هذا يزيد احتمال رفض طلبات اللجوء ويحدث تفردا بالقرار لدى القاضي الوحيد”. النقطة الثانية هي “الرعب من حذف المساعدة الطبية لكل من ليس لديه إقامة أو من يرفض طلب لجوئه. وسابقا كان يحق له العلاج فيما يخص المشاكل الصحية الرئيسية”.

وبشأن مساعدة السكن يضيف قويدر أن “هذا القرار مرتبط بمن لديه أوراق وليس عديميها، ومن المجحف الانتظار خمس سنوات بالنسبة لطالب أو شخص مقيم بناء على إجراء لم الشمل أو غير هذه الحالات لاستيفاء شرط الحصول عليها”. 

ويقدر عدد عديمي الأوراق في فرنسا بين 600 إلى 700 ألف، حسب تصريحات سابقة لوزارة الداخلية. ويرى قويدر أن القانون الجديد “قد يزيد أعدادهم لأن رفض طلبات اللجوء سيكون أسرع وبالتالي سيزيد عدد الطلبات العالقة، ويتعقد أكثر عمل المنظمات المعنية”، ويشير إلى أن الكثير من هذه المنظمات “تعتزم الإضراب” اعتراضا على تبني القرار.

يجدر بالذكر أن ملف الهجرة هذا هو الثاني من حيث الأهمية في البلاد بعد ملف تعديل قانون التقاعد الذي مررته الحكومة بالقوة عبر استخدام المادة 49.3 من الدستور. والأمر المؤكد هو أن تمرير هذا النص بشأن الهجرة أحدث شرخا في السياسة الداخلية، لكن من غير الواضح بعد تأثيره على المدى الأبعد.

النص الفرنسي: رومان بروني | النص العربي: رنا الدياب




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock